درجت العادة أن يستفيد مرشحو الرئاسة الأميركية من جولاتهم الخارجية، في رسم صورة قيادية أمام الرأي العام في بلادهم. لكن جولة المرشح الجمهوري ميت رومني الحافلة بالهفوات والأخطاء الاستراتيجية، في بريطانيا وإسرائيل وبولندا، أضحت استثناءً وأطلقت مع عودته إلى الولايات المتحدة، جدلاً حول مدى استعداده لقيادة البلاد، كما أضرّت به في استطلاعات الرأي.

أخطاء رومنی المتتالیة فی رحلة الأیام الستة، بدءاً من تشکیکه فی استعداد لندن لاستضافة الألعاب الأولمبیة، وتلمیحه إلى تفوّق «حضاری» إسرائیلی على الفلسطینیین، ثم ممارسته تعتیماً إعلامیاً واقدام ناطقٍ باسمه على شتم الصحافیین الأمیرکیین فی وارسو، جعلت جولته على عواصم حلیفة للولایات المتحدة، الأسوأ منذ وقت طویل لأیّ مرشح للرئاسة الأمیرکیة.

وانعکس ذلک فی وسائل الإعلام الأمیرکیة، إذ وضعت مجلة «نیوزویک» على غلافها صورة لرومنی وحولها علامة استفهام، متسائلة هل هو مرشح «ضعیف للقیادة». کما تحدثت صحیفة «نیویورک بوست» فی افتتاحیة عن الضرر الذی قد یلحقه رومنی بسمعة الولایات المتحدة فی الخارج، إذا انتُخِب رئیساً، فیما انتقد کتّاب فی صحیفة «واشنطن بوست» نهج المرشح الجمهوری و» عدم خروجه من القرن العشرین»، إضافة إلى ارتهانه للنهج الیمینی فی الحزب الجمهوری، والذی ساد خلال ولایتی الرئیس السابق جورج بوش الابن.

وعکس استطلاع یومی لمؤسسة «غالوب» تراجعاً فی شعبیة رومنی، بمعدل نقطتین أمام أوباما(۴٧ فی المئة مقابل ۴٥)، بعدما کان قبل جولته فی الخارج متقدّماً على الرئیس الأمیرکی ب۴۶ فی المئة مقابل ۴٥ لأوباما. کما منح استطلاع أعدّته صحیفة «نیویورک تایمز» وشبکة «سی بی أس» قفزة أکبر لأوباما فی ولایتی أوهایو وفلوریدا، بمعدل ۶ نقاط، وبمعدل ١١ نقطة فی بنسلفانیا.

واجتاز المرشح الدیموقراطی للمرة الأولى، عتبة ال ٥ فی المئة فی الولایات الثلاثالمحوریة والمتأرجحة، إذ نال ٥١ فی المئة فی فلوریدا و٥٣ فی المئة فی بنسلفانیا و٥ فی أوهایو. ومنذ ١٩۶ ، لم یتمکّن أی مرشح من الفوز بالرئاسة، من دون فوزه فی اثنتین من الولایات الثلاث.

وإذ یستلزم الخطاب الانتخابی، شعبویة تغازل القواعد الانتخابیة للحزبین، خصوصاً الإنجیلیة لدى الجمهوریین، طرحت ثغرات جولة رومنی أسئلة حول قدراته الدیبلوماسیة على رصّ تحالفات دولیة، بعد «إهانته» البریطانیین ثم الفلسطینیین، ما أثار مخاوف من العودة إلى حقبة بوش وإطلاق تهدیدات والتلویح بخیار عسکری ضد إیران. وعزا بعضهم ذلک إلى ضعف فریق رومنی للسیاسة الخارجیة، والذی یضمّ مستشارین بینهم شخصیات من مدرسة المحافظین الجدد، مثل السفیرین السابقین جون بولتون وإریک أدلمان، وآخرین غیر متمرسین فی الشأن العام، مثل دان سینور والمستشار الیمینی اللبنانی الأصل ولید فارس. ویبدو من غیر المستغرب الخطاب الخارجی المتشدد لرومنی، خصوصاً أن الأسماء المعتدلة فی الحزب الجمهوری، مثل الوزراء السابقین جیمس بیکر وکولن باول وروبرت غیتس، بعیدة من حملته الانتخابیة.

لکن هیمنة الهمّ الاقتصادی لدى الناخبین، قد تساهم فی تغاضی الجمهوریین عن الأجندة الخارجیة، وتمنح النهج الیمینی فی السیاسة الخارجیة فرصة نوعیة للعودة إلى البیت الأبیض، من خلال ترکیز الناخب على الرصید الاقتصادی للمرشحین، لا التحالفات الدولیة.

فی المقابل، فإن تخبّط رومنی فی الخارج، یتیح منفذاً لحملة أوباما للتشکیک فی المؤهلات القیادیة لمنافسه، کما یضغط على المرشح الجمهوری الذی یأتی من خلفیة فی إدارة الأعمال، لتسمیة مرشح لنائب الرئیس ذی خبرة فی السیاسة الخارجیة. ومن الأسماء المقترحة عضوا مجلس الشیوخ عن ولایة فلوریدا مارکو روبیو وعن ولایة أوهایو روب بورتمان، إضافة إلى وزیرة الخارجیة السابقة کوندولیزا رایس.

لكن نقاط ضعف رومني التي تتخطى الشأن الخارجي وتتشعب إلى هبوط نسبِ تأييده في ولايات الغرب ولدى الأقلية اللاتينية، وعدم حماسة القاعدة الإنجيلية لمرشح من طائفة المورمون، إضافة إلى تفضيل السيدات واليهود لأوباما، تجعل خيار نائب الرئيس غير كافٍ لفوز المرشح الجمهوري الذي يرى في العامل الاقتصادي أفضل ورقة لديه، في انتظار ما ستحمله أرقام البطالة في الأيام الـ٩٦ المتبقية من معركة السباق إلى البيت الأبيض.